المحكمـــة الدستوريـــة العليــا
The Supreme Constitutional Court
img
img

كلمة رئيس المحكمة الدستورية العليا

معالي المستشار أ.د محمد الحاج قاسم 

مع إطلالة الربع الثاني من العام 2016 وتحديدًا في الأول من شهر نيسان (إبريل) 2016، تحقق أملٌ وطموحٌ غالٍ وحلمٌ كان صعبًا تأخر لسنوات عديدة، تمثل بإصدار قرار بتشكيل المحكمة الدستورية العليا في فلسطين، طموحٌ وطنيٌ بإقامة هذا الصرح الدستوري الديمقراطي على أرض دولة فلسطين، وطموحٌ شخصيٌ بأن أكون ضمن تشكيلة هذه المحكمة وأحد قضاتها، وحلمٌ فلسطينيٌ انتظره شعبنا منذ عشرة أعوام، أي منذ صدور قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 03 لسنة 2006، وقد تحقق هذا الأمل والطموح والحلم الفلسطيني بقرار التشكيل والتعيين من فخامة رئيس دولة فلسطين، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، حامي الحلم (المشروع) الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فخامة السيد الرئيس الأخ/محمود عباس "ابومازن" حفظه الله، الذي عمل  ومنذ منتصف السبعينات من القرن الماضي على مأسسة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وتطويرها بما يليق بها وبشعبنا الفلسطيني على طريق التحرير وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو القانوني المشهود له في السعي الحثيث إلى إرساء القواعد القانونية لبناء المؤسسات ومنها المحكمة الدستورية لعليا في فلسطين كمؤسسة أصيلة في  بناء الدولة الفلسطينية المستقلة، وتطبيقا للاستحقاق الدستوري المنصوص عليه في المادة (103) من القانون الأساسي، التي تعد ضمانًا أكيدًا للشرعية الدستورية وقوة دافعة لها ترسيها على دعائم من الحق والعدل، وملحمة حضارية تكفل من خلال عملها إنتقالًا من المفاهيم النظرية للقيم الدستورية إلى حقائق عملية يكون المواطن في كنفها آمنًا مطمئنًا حريصًا على أن يكون للقانون الكلمة العليا من خلال التطبيق الحازم لأحكام القانون الأساسي.         

الرقابة على دستورية القوانين تعتبر حجر الزاوية في بناء دولة القانون،  فالرقابة في نهاية المطاف غايتها النفاذ إلى جوهر القانون لكي تحقق مزيدًا من الضوابط الهادفة إلى حماية حقوق الإنسان، وتلعب دورًا أساسيًا هامًا في تدعيم الضمانات الدستورية، وتحفظ السيادة الشعبية، فعندما تبطل المحكمة الدستورية قانونًا أو نصًا في قانون إنما تعيد للدستور احترامه وتعيد للشعب سيادته، وتمثل خضوع الدولة لاحترام حريات الإنسان وحقوقه.

إن التحليل المعمق لدور الرقابة على دستورية القوانين الذي تقوم به المحاكم أو المجالس الدستورية يقود إلى حقيقة تحقيق العدالة الدستورية التي تتوافق مع متطلبات الديمقراطية التي لا تقوم بغير سيادة القانون، ولا تكون حقيقة إلا في الدول التي تشهد رقابة على دستورية القوانين، فشرعية الرقابة الدستورية تعد علامة على نضج الديمقراطية "لا يمكن وجود ديمقراطية بغير قضاء دستوري يكفل تطبيق نصوص الدستور على وجه سليم يحقق حكم دولة سيادة القانون". كما لا يعتبر تقويضًا للديمقراطية وجود رقابة قضائية في دولة القانون، لأن الديمقراطية التي تعني الحرية السياسية تفرض بأنه "في الديمقراطية لا سياسة من دون ضوابط للمسؤولية ولا سياسة من دون رقابة، وإذا اخفق السياسيون فلا بد للقضاء من أن يتولى هذه المهمة" ، كما أن الرقابة على دستورية القوانين تُعد سلطة قادرة على فرض احترام السلطتين التشريعية والتنفيذية من احترام الدستور وحقوق الإنسان".

من هنا يأتي دور المحكمة الدستورية العليا في فلسطين، في الحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني والشرعية الدستورية وتكريس مبدأ فصل السلطات، وحماية النص الدستوري وتطويره، وحماية حقوق الانسان الفلسطيني وحرياته الأساسية، والعمل على تطوير المنظومة الدستورية والقانونية في فلسطين باعتبار أن المبادئ التي تتضمنها أحكام المحكمة الدستورية وقراراتها تعد مؤشرًا ومحفزًا للتطورات الحديثة في مجالات نظم الحكم والعلاقة بين سلطات الدولة وكفالة حقوق الإنسان والمواطن الفلسطيني .

إن العدالة الدستورية أصبحت اليوم جزءًا من النقاش العمومي، وهذا يفرض على المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية تحديًا جديدًا يتمثل في حسن الاستجابة إلى الحاجة المتزايدة إلى الثقافة الدستورية العالية سواء لدى الباحث المتخصص (المحامي، القاضي، منظمات المجتمع المدني، أساتذة كليات القانون والحقوق وطلبتها) وذلك من خلال تطوير آليات التواصل، وهذا ما دعا المحكمة الدستورية العليا إلى إطلاق هذه النافذة المتمثلة بموقع المحكمة الإلكتروني في فلسطين، بنشر مختلف الأحكام والقرارت الصادرة عنها ومختلف الأنشطة التي تقوم بها، بهدف تكريس مبدأ ديمقراطية الوصول إلى المعلومة وحق الجميع في الثقافة الدستورية.

                                                      معالي المستشار أ.د محمد الحاج قاسم

                  رئيس المحكمة الدستورية العليا    

  المزيد