كلمة رئيس المحكمة الدستورية العليا
المستشار علي مهنا
يظن البعض، بأننا كفلسطينيين نتخذ من خصوصية التجربة مشجبًا نُعلِّق عليه عجزنا وقصورنا وشغفنا بالخروج على القواعد وتوسيع هوامش الاستثناءات والإنفلات من جاذبية المساءلة. في حين يدرك من عايش التجربة وانصهر في أتونها بأنها حقيقة، حالة استثنائية يُؤخذ بها ولا يُقاس عليها، ولا تقبل سحب النماذج الجاهزة والقوالب النمطية عليها، وبأن لبناتها قد جبلت بالفرادة والتميّز تمامًا كما هو الحال في عثرات مسيرتها الوعرة.
لم تنحصر خصوصية التجربة في الشأن السياسي وما يُسمى بمعركة التحرير التي لم تنجز بعد، بل تعدت ذلك لتشمل ارهاصات معركة البناء بامتداداتها وأبعادها المختلفة وعلى الصعد كافة، بما فيها قطاع العدالة بأركانه المختلفة، وصولاً الى نشأة المحكمة الدستورية العليا والرقابة الدستورية على التشريعات بأنواعها.
فكما هو معروف، ليس لدينا من دستور في فلسطين، وقانوننا الأساسي وضع أساسًا لتنظيم المرحلة الإنتقالية التي كان من المفترض أن لا تتجاوز خمس سنوات من نشأة السلطة الوطنية. وجاء في ديباجته بأنه يتضمن عددًا من المبادئ الدستورية، وبالتالي وبمفهوم المخالفة لم يشملها كلها، وهو لكل ذلك غير قادر على الإستجابة لاحتياجات التطورات التي حدثت على التجربة الفلسطينية واقعيًا وقانونيًا خلال العقدين الماضيين.
وفي ذات السياق، فقد أُثير الجدل حول إمكانية وضع دستور لدولة فلسطين مبكرًا، في ظل استمرار الإحتلال من جانب، ووجود غالبية الشعب الفلسطيني في المنافي والشتات. وفي خضم تلك التعقيدات جاء وضع قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 3 لسنة 2006 توطئة لتشكيلها واستجابةً لما جاء في القانون الأساسي الفلسطيني لسنة 2003 وتعديلاته.
وسندًا لذلك، فقد تم التشكيل الأول للمحكمة بتاريخ 31/3/2016، وتولت مهامها وفقًا للقانون. كما استكمل التشكيل الثاني للمحكمة في 1/6/2023، بعد إحالة من تبقى من السادة قضاة التشكيل الأول للمحكمة للتقاعد وفقا لأحكام القانون. واُستكمل التشكيل الثاني بتعيين المجموعة الأخيرة من القضاة والرئيس الثاني للمحكمة.
لقد تم خلال السنوات الماضية إحداث بعض التعديلات على قانون المحكمة في أكثر من مرة، أهمها تعديل عام 2017. وقد وضعت المحكمة خلال سنوات عملها الماضية المداميك الأولى لصرحها الشامخ، الذي نسأل الله العون والتوفيق في المراكمة عليها لجهة ترسيخ مبدأ سمو القواعد الدستورية وسيادة القانون واستقلال القضاء والفصل التكاملي ما بين السلطات الثلاث.
وبهذه المناسبة فإننا ندرك بأن طريقنا وعرة، وبأننا بحاجة للكثير من الانفتاح على الغير، والتعلم من التجارب الغنية إقليميًا ودوليًا، بما لا يتجاهل خصوصية الواقع والتجربة، ويَصُب بالنتيجة في طاحونة الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية وحقوقه المشروعة.